الرئيسية  

السؤال : هل موت فضيلة الشيخ سيد طنطاوي في الحجاز ودفنه في البقيع علامة على حسن الخاتمة ؟

يجيب فضيبة الشيخ محمود الشريف يقول:

بعد حمدالله والصلاة والسلام علي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أما بعد ..

أقول ابتداء : رحم الله فقيدنا ووسع مدخله وغفر لنا وله ، وعامله بفضله لا بعدله

أما بعد ...

أما بشأن علامات حسن الخاتمة فإنها من الأمور الغيبية التي وبموجب عقيدتنا نقول أنها لا تثبت إلا بالنقول أي بما يرد من أدلة صحيحة في كتاب الله أو سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)-الإسراء-

وعلى ذلك نقول أن علامات حسن الخاتمة في الإسلام تنقسم إلى قسمين

1-    العلامات الصريحة

2-    العلامات غير الصريحة

أما النوع الأول : وهو العلامات الصريحة : وهي علامات حسن الخاتمة التي ورد فيها شيئ في كتاب الله أو حديث صحيح صريح بشأنها ، ومن ذلك :

1-  أن يكون أخر كلام الميت (لا إله إالا الله ) : وذلك لحديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : قال – صلى الله عليه وسلم -: " من كان آخر كلامه لا  إله إلا الله دخل الجنة "

2-  عرق الجبين : وذلك لحديث بريدة بن الحصيب – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " يموت المؤمن بعرقا لجبين "  . وحديث ابن مسعود – رضي الله عنه - :" موت المؤمن بعرق الجبين ، تبقى عليه البقية من الذنوب ، فيجازف بها عندالموت " – أي تشتد لتمحص عنه ذنوبه –

أما النوع الثاني : وهو العلامات غير الصريحة ( المستنتجة ) :

1-  استبشار الوجه وتبسمه حال الموت : وذلك لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : تحضر الملائكة – أي : عند الموت – فإذا كان الرجل صالحا قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان "

    وفي تفسير قوله تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) –النحل-

قال محمد بن كعب القرظي : إذا استنفذت نفس العبدالمؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك يا ولي الله ، إن الله يقرئك السلام "

فاستنتج بعض العلماء مما سبق أن هذا يستلزم استبشار الوجه حينذاك – وإن لم يرد هذا صريحا –

2-ابيضاض الوجه حال الموت :ويقصد به ابيضاض لونه عن لون بشرته الطبيعي بنسبة ما .

وذلك من قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)-آل عمران –

وقوله تعالى : "فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)-الملك-

فحمل بعض العلماء ذلك على حال الموت ، والصحيح الذي عليه جمهور المفسرين أن هذا يوم القيامة كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه : قال يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة "

وكذلك آية الملك أيضا

 

3-  خفة الجنازة – النعش – وسرعتها للقبر:

لحديث أبي سعيدالخدري – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت :قدموني قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ، أين تذهبون بها ، يسمع صوتها كل شئ إلا الإنسان ولو سمعها لصعق " خ(1380)

وحديث أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال اسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن أعناقكم (2038)البيهقي في الكبرى والنسائي.

فاستنتج بعض العلماء أن سرعة النعش علامة على أنها صالحة ، بل غالى بعضهم وقال أن روحه الصالحة تدفع النعش للأمام ، والطالحة تعوقه عن التقدم وتثقله ، وكل هذا مالا دليل عليه من الشرع ، فكل ما الحديث هو الترغيب في ذلك لمن سيحمل الجنازة ويشيعوها إلى القبر ... والله أعلم

4-الاستعمال : وهو أن يختم له بعمل صالح قبل موته ويقبض عليه

وذلك لحديث أنس مالك – رضي الله عنه – قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا استعمله قيل : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت "  وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي وأبوعاصم

وعنه – صلى الله عيه وسلم – " إذا أراد الله بعبد خير عسله . قالوا : يا رسول الله وما عسله ؟ قال : " يفتح الله عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله " (صحيح أخرجه ابن حميد وابن حبان )

    ولم يعد ذلك من العلامات الصريحة أو المباشرة مع صراحة النص بذلك ، لأنه وإن كان ختم له بذلك إلا أنه لا أحد يستطيع الجزم بأن ذلك كان بنية خالصة لله تعالى ، فما من عمل دخلت عليه نية فاسدة إلا وأفسدته كما في حديث أبي أمامة الباهلي قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ما له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له ثم قال إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه - ثواب من قاتل في سبيل الله فواق ناقة (4349)ن ، وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:  حدثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل يقتتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت ؟ قال كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال إن فلانا قارئ فقد قيل ذاك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك ؟ قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله تعالى بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له فيماذا قتلت ؟ فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى له كذبك وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذاك ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" (2383) ت

5-   مكان الدفن : بمعنى أنه لو مات بأرض اشتهرت بالصلاح فهي علامة على حسن خاتمته ، والعكس ،

وهذا مالم يعتبره أحد من العلماء المعتبرين علامة على حسن الخاتمة ، فهل يفهم من هذا أن عبدالله بن سلول وهو رأس المنافقين قد حسنت خاتمته لأنه دفن في مقابر المسملين في المدينة وبين أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم – بل وصلى عليه النبي – صلى الله عليه وسلم - بذاته ؟؟!! ، وهل وفاة أبي لهب ودفنه في مكة المكرمة علامة على حسن خاتمته؟!!

     إن مما ورد في شريعتنا الغراء بشأن مكان الموت أو الدفن هو ما ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – قال : " إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة " ت (2146)

وذلك لكي يدفن العبد في الأرض التي خلق منها وأخذت منها طينته يوم خلق الله آدم – عليه السلام – كما في حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يطوف ببعض نواحي المدينة ، وإذا بقبر يحفر ، فأقبل حتى وقف عليه ، فقال : لمن هذا ؟ فقيل : لرجل من الحبشة . فقال – صلى الله عليه وسلم - : لا إله إلا الله ، سيق من أرضه وسمائه حتى يدفن في الأرض التي خلق منها!! "

والحديث إسناده قوي من رواية أبي سعيد وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (1\366)

     ولكن قال العلماء باستحباب مجاورة الصالحين عند دفن الميت ، كما نقل هذا القرطبي في تذكرته فقال : "يستحب لك – رحمك الله – أن تقصد بميتك قبور الصالحين ، ومدافن أهل الخير فتدفنه معهم ، وتنزله بإزائهم ، وتسكنه جوارهم ، تبركا بهم ، وتوسلا إلى الله عزوجل بقربهم ، وأن تجتنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذي بمجاورتهم ، والتألم بمشاهدة حاله ".

 لذلك أسأل الله أن يكون جواره هذا رحمة لفيقدنا وأن يغفر لنا وله إنه الرحمن الودود الرحيم 

                                 الرئيسية